الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
151
آيات الولاية في القرآن
النوع الثاني ونتحرك في سبيل تقويتها وترشيدها . إنّ أحد القيم التي كان أمير المؤمنين عليه السلام ملتزماً بها بشدّة هي تقديم الضابطة على الرابطة ، والمثال على ذلك هو قصّة الحديدة المحماة التي سمعتموها مراراً ، ولكن لا بأس باستعراضها مرّة أخرى : عندما وصلت الخلافة إلى الإمام علي عليه السلام بعد سنوات من السكوت والمظلومية والجلوس في البيت جاء إليه أخوه عقيل ، وكان فقيراً ومعيلًا ، من المدينة إلى الكوفة لعلّه يحصل على نصيب أوفر من بيت المال ، وكان الإمام حينذاك يتناول عشاءه على سطح البيت لشدّة حرارة الجوّ في مدينة الكوفة ولكنّ عشاءه لم يكن شبيهاً بعشاء السلاطين والامراء ولذلك لم يشاركه عقيل في تناول العشاء وقال لأخيه : أعطني ما أقضي ديني وعجّل سراحي حتّى أرحل عنك ، قال : فكم دينك يا أبا يزيد ؟ قال : مائة ألف درهم ، قال : لا واللَّه ما هي عندي ولا أملكها ولكن اصبر حتّى يخرج عطائي فأواسيكه ولولا أنّه لا بدّ للعيال من شيء لأعطيتك كلّه ، فقال عقيل : بيت المال في يدك وأنت تسوّفني إلى عطائك ؟ وكم عطاؤك ؟ وما عساه يكون ولو أعطيتنيه كلّه ؟ فقال : ما أنا وأنت فيه إلّا بمنزلة رجل من المسلمين . وكانا يتكلمان فوق قصر الأمارة مشرفين على صناديق أهل السوق فقال له علي : إن أبيت يا أبا يزيد ما أقول فأنزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسر أقفاله وخذ ما فيه ، فقال : وما في هذه الصناديق ؟ قال : فيها أموال التجار ، قال أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكّلوا على اللَّه وجعلوا فيها أموالهم ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكّلوا على اللَّه وأقفلوا عليها ؟ وإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا جميعاً إلى الحيرة فإنّ بها تجاراً مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ، فقال : أو سارقاً جئت ؟ قال : تسرق من واحدٍ خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً « 1 » . ثمّ إنّ الإمام علي عليه السلام أحمى حديدة وقرّبها من يد أخيه عقيل فلمّا رأى عقيل أن أخاه
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 41 ، ص 113 .